recent
أخبار ساخنة

ولا عزاء للسمر



الشيخ راشد تاجر جملة محنك ويعتمد بشكل كبير في إدارة متجره الكبير الواقع بقلب السوق على عامله عبد الفتاح ، ويمتاز عبدالفتاح بالصدق والأمانة وحسن النية عكس ما تبديه ملامحه الأفريقية من عينان واسعتان وانف عريض وأسنان لا تخلوا من بياض ناصع يشذ عنها عدد من الأسنان الذهبية اللامعة إضافة إلى جسم ربعة تزينه العضلات المفتولة  ، وكان اكثر ما يعجب الشيخ راشد في

عامله عبدالفتاح سرعة تنفيذ الأوامر بدون تردد وتفكير ، وذات يوم احتاج الشيخ راشد إلى عامله عبدالفتاح للمساعدة في إقامة مراسم العزاء لأحد أقربائه في منزل العائلة في الحي القديم حيث سبق وان تردد عليه عبدالفتاح عندما كانت تقطنه والدة الشيخ راشد ، وعند قرب الموعد المحدد وقبل ان تغرب الشمس استقل عبدالفتاح سيارة أجرة وانطلق إلي الحي القديم ولكن ظلام الليل كان قد سبقه ، فأخذ يتخبط في الأزقة القديمة قليلا إلى أن لاحت له أنوار خافته بأحد شقوق المباني العتيقة فترجل مسرعا عن سيارة الأجرة بعد أن حاسب سائقها و انسل بين جدران المباني العتيقة إلى أن وصل إلى الساحة المعدة للعزاء ، وحمد الله أن المعزٍين لم يتوافدوا بعد ، فيما لاحظ قيام أحد العاملين بترتيب المقاعد بينماعامل آخر يبلل المكان بخرطوم للماء  ، فانقض عبدالفتاح على خرطوم الماء وراح يبلٍل ما تبقى من المكان ، ثم قام بمباشرة أعمال تجهيز القهوة والشاي وماء الشرب ، في حين توافدت أرتال المعزين إلى المكان وعبدالفتاح يرحب ويسهل ويوجٍب ، وقد تحكم تمام في عملية الترتيب والتنظيم لكل شيء بكل ما حباه الله من أريحية وطيبة خاطر ، وعندما حانت ساعة تقديم العشاء لم يتوان في إيصال العشاء بكل خفه وسرعة إلى حلقات الضيوف مما حدا
بأحد المعزين أن قام بدس مبلغا محترما من النقود في جيبه وقام بسحبه إلي احدى سفر الطعام ليشارك الجميع تناول الطعام ، ولم يتوانى عبدالفتاح في التشمير عن ساعديه واخذ يهز الصحن هزا وينهش اللحم نهشا وينشر العظم نشرا ، وفي هذه الأثناء كان يشيد بلحم الجمال بأنه افضل اللحوم بينما اخذ وجه الطباخ الذي كان حاضرا في الاحمرار والاصفرار حنقا وغضبا لكلام عبدالفتاح الذي يجهل تماما أن الحم الذي بين يديه هو لحم خرفان والذي يختلف كثير عن لحم الجمال ولكن لم يكن هناك طريقه لإسكات عبدالفتاح الذي كان ينخر في الأكل نخرا ، وفجاءة انطفأت الأنوار بدون سابق إنذار ، وأخذت جموع المعزيين بالتواري تحت جنح الظلام ، فأخذ عبدالفتاح يجمع أطباق الطعام وما تبقى من الأكل وذلك مع من بقي من العاملين والذي كان بالكاد يراهم من شدة الظلام رغم كبر عينيه ووسعهما ، وشيء فشيء لم يعد يرى أحد منهم على الإطلاق ، وتحسس جيبه المليء بالنقود فانشرحت أساريره ، وفي تلك الحظه لاحت له أنوار الشُق الذي ولج منه  ، فيمم اتجاهه إليه وخرج إلى الطريق العام حيث استقل سيارة أجرة وقفل راجعا إلى مسكنه القريب من المتجر بعد أن اخذ منه التعب كل مأخذ  ، وبينما هو مستلق باسترخاء شديد على فراشه الوثير تنبه باستغراب لعدم وجود الشيخ راشد من بين المعزيين  ، ولكن سلطان النوم كان قد اخمد كل حركات جسده المنهك فذهب في سبات عميق ولم يفق إلا على صوت الشيخ راشد وهو يأنبه ويوبخه لعدم حضوره لموقع العزاء ، ولكن عبدالفتاح أكد له ذلك وادخل يده في جيبه ليخرج له المكافئة التي حصل عليها تقديرا له على حسن صنيعه إلا أن يده خرجت بيضاء من غير نقود ، وضرب في الجيب الآخر ولكن بدون جدوى ، فنتصب واقفا واخذ يرفع الحلفان ونسخة القرآن ويبسط يديه الاثنتان التي علقت بها رائحة الخرفان ولكن الشيخ خرج غضبان ، وفي الصباح الباكر ذهب عبدالقتاح لمعاينة مكان العزاء ، وأخذ يبحث في كل الزوايا والأركان ويسأل الجيران ، ولكن لم يجد لذلك العزاء عنوان وقفل راجعا إلى عمله بالدكان وهو حيران ، وبمرور الأيام كان زملائه في العمل يلاحظونه وهو في خلواته يضرب كفا عـلى كـف ويشـخـص بـبـصـره إلى السماء بعينيه الواسعتين ويردد بصوت مسموع ( عزاء من كنت أجالد في ذلك الليل البهيم).
google-playkhamsatmostaqltradentX