البرد قارس في الدول الأوربية وخاصة الضواحي الخارجة عن المدينة حيث
المعاهد الخاصة بتعليم اللغة لغير الناطقين بها ، محطات النقل العام والقطارات
يشوبها نوع من الدفء نتيجة دخان عادم المقطورات وحرارة المحركات ، وهذه المواصلات
منضبطة المواعيد ، ونظراً لتأخري الدائم عن حافلات النقل العام ، نتيجة السهر طوال
الليل لإستيعاب المواد التي لم استطع تفهمها من مدرس اللغة بصورة مباشرة ، أو
أحيانا نتيجة ظروف المناخ وأرق الغربة ، فأضطر إلى ركوب حافلات النقل الخاص ، والتي هي
ضعف تذكرة النقل العام ، وهي في هذا الضاحية حافلة واحدة ، لكنها كبيرة الحجم تحمل
الرقم 178 وتستوعب جميع الركاب الذين تخلفوا عن ميعاد حافلات النقل العام ، وهي
حافلة من النوع القديم جدا ، يدل على ذلك شكلها العام وربما يرجع تاريخها الى سنين
غابرة ، ورغم هذا فهي على درجة عالية من الأداء الفائق والنظافة الممتازة ، كما إنها
متماسكة جدا ، بحيث لم يحدث أن توقفت في يوم من الأيام ، فهي تمشي كالطود العظيم ، لا
يقف في طريقها شيء ، والغريب في الأمر أن الذي يحدث في النقل العام لا يحدث في هذا
الحافلة ، حيث يتزاحم الركاب تزاحما شديدا ، رغم أنه واسع ويستوعب الجميع تقريبا ، ولكن
منظر واحد لايتغير في هذه الحافلة ، ويتكرر في كل صباح ، وهو وجود سيدة طاعنة في السن ،
تجلس كأول راكبة في هذه الحافلة على مقعد مبطن في المؤخرة ، كأنه أٌعد خصيصاً لها ،
لاتغييره ولا تستبدله ، ولا تتحرك منه إلا إلتفاته إلى اليمين أو إلي اليسار ، في
البداية كنت في غاية الإستغراب من هذه السيدة ، وقدرتها على المحافظة على نفس المقعد
من كل صباح وسط الزحام الشديد ، وتبددت هذه الغرابة عندما إتضح لي أنها تأتي مع
السائق ، وأتضح أن الزحام المصطنع للركاب ، ماهو سوى الهروب من الجلوس بالقرب من هذه
السيدة لكثرة كلامها وثرثرتها وذكرها الكثير والكثير من قصصها وحكاويها ونوادرها
التي مرت بها في حياتها ، بحيث أصبحت أتذكرها اكثر من تاريخ حياتي المتواضعة ، وفي
كل يوم أجد نفس مجبر لسماع هذه القصص والحكاوي حبيت أم أبيت ، والسبب أنني أجد نفسي
فجأة وقد اضطررت للجلوس بالمقعد المجاور لها ، وعلاوة على ذلك قد أجاملها أحيانا
بدفع أجرة التذكرة وهي لا تمانع على الإطلاق ، ومهما بكرت بالحضور ومهما زاحمت
الركاب ، أجدهم وقد تمركزوا بعيداً عن ذلك المقعد التعيس ، فأضطر لسماع نفس
الأسطوانة ونفس الموال ، وهكذا مرت الأيام الدراسية تباعاً بحلوها ومرها ، وتحصلت
على الدبلوم الذي انشده ، وبدأت في إعداد العدة للعودة إلي الوطن ، وبقي علي الخروج
إلى سوق المدينة المركزي في الصباح الباكر ، لأبتاع ما يمكن شراؤه مما خف وزنه و خف
ثمنه أيضاً ، كما أصرت كبرى أبناء العائلة التي أقطن عندها مرافقتي للسوق ، وهي
شابة في العقد الثالث من عمرها ، تعمل كمدرسة في إحدى دور الرعاية ، ومتزوجة وأم
لطفلتين جميلتين وهي سيدة جادة نوعا ما ، قليلة الكلام كثيرة التأمل ، الوقت عندها
من الماس وليس من ذهب ، لا تفرط في أي جزء منه إلا بما يعود بالفائدة التامة عليها
وعلى الآخرين ، وتتعامل مع النقود بطريقة سحرية ، فلا يكاد يخرج شيء إلا في محله
الطبيعي المخصص له ، فهي كريمة بدون إسراف وحريصة بدون تقتير ، يكاد كل فرد من
أفراد عائلتها أن ينال مصروفه منها بما يكفيه دون زيادة أو نقصان ، وتكاد أياديها
تصل الجميع ، حتى العصافير والحمام لهم نصيب معلوم , والموتى ومن في القبور ،
تخصهم بباقات الزهور والأدعية يوم من كل أسبوع ، وتواسي الفقراء والبائسين
المتواجدين هناك ، وتحنواعليهم بشكل مهذب لطيف ، تذهب إلي كل واحد منهم إلى مكانه ،
فتنحني للكبارمنهم وتجلس القرفصاء للأطفال ، تداعبهم وتلاطفهم وتحمل إليهم الملابس
الزائدة عن حاجة العائلة ، وكذلك بعض أنواع الحلوى والسكاكر ، لا يوفوتها شيءً هذه
السيدة النبيلة ، علاوة على أنها تحظى باحترام الجميع ، فهي معلمة بمدرسة القرية
لمادة الأناشيد ، فهي تجيد العزف ويردد خلفها الأطفال الأناشيد الدينية والوطنية
والموسمية ، وتتقاضى مرتبا متواضعا جداً ، ولكن لديها القدرة أن تدبر به مصاريف
القرية بأكملها ، هكذا يخيل إلى في بعض الأحيان ، فحكمتها في الحياة انه طالما
النفس غنيٌة متشبعة بالخير ، فالمال يغني ويشبع الجميع ، وتتسم هذه السيدة الشابة
بمميزات عجيبة فهي سهلة وبسيطة إلى حد السذاجة ، وجادة ومنضبطة إلى حد الصرامة ،
كما إنها هادئة وناعمة مثل النسيم العليل ، وحاضرة الذهن والبال مثل الهداهد ، لا
ترتبك ولا تتوتر مهما احتدمت الظروف واضطربت الأوضاع ، تتقبل اشد الأمور بأعصاب
هادئة وتتصرف بحرص واتزان ، ولاتعرف التعقيد والتزمت مطلقا ، تحب الخير لها وللناس
، وتتعاون مع الجميع في حدود لا تتعارض مع واجباتها تجاه منزلها وعملها ، ومن أظرف
صفاتها إنها عند الضحك لاتسمع لضحكاتها صوت مهما اشتدت تعابير الضحك وصخبه كأنك
أمام مشهد صامت ، وكالجميع يشملني شيء من كرم هذه السيدة الكريمة ، ففي نهاية كل
شهر تتقاضى فيه مرتبها ، تبتكر أي مناسبة لعمل حفلة شاي تبارك بها بداية شهر جديد ،
فتعد الفطائر والكعك الساخن والحلوى والمرطبات ، وتدعوا إليها الأصدقاء والأقرباء
والجيران ، وتخصني بنصيب جيد وتقدمه لي بنفسها ، على عكس العادة المتبعة لديهم ،
وتهمس بلطف وفكاهة بأن هذه الوجبة خارجه عن حساب الإعاشة ، ومضيفتنا هذه ليست
فائقة الجمال ، فأكثر ما يزينها البساطة في كل شيء ، ولا تأخذ أشكال بني بشرتها ،
فهي نحيلة رقيقة شاحبة نوعاً ما ، عليها مسحة من الحزن والأسى لا تفارق محياها على
الدوام .إنتهى بنا الطريق في ذلك اليوم الممطر إلى محطة النقل العام وألحٍيت عليها
صعود الحافلة العتيقة التي أستقلها كل صباح رغم وجود معظم حافلات النقل العام ورغم
رفضها الشديد ، معللة أن هذا التسيب الصغير في المصروفات هو بداية ضياع وتبديد
الأشياء الكبيرة ، وهذه ترجمة حرفية لإحدى حكمها الغزيرة ، رغم ذلك استقلينا
الحافلة العتيقة وتعمدت هذه المرة الجلوس جوار السيدة المسنًة ، رغم خلو الحافلة
من الركاب فالوقت مازال مبكرا ، وجلست هي في المقعد المقابل ، وهمٍيت لدفع قيمة
التذاكر للجميع ، لكنها رفضت ذلك وأصرت أن يدفع كل شخص عن نفسه ، وإستسمحتها أن
أدفع عن السيدة المسنه ، ولكن رفضها تضاعف إلي حد أن إعتذرت عن مواصلة الرحلة من
أساسها ، وأستنكرت منها هذا التصرف ، ولكنها أجابت بصوت مسموع للجميع أن هذه
السيدة هي صاحبة الحافلة ، بل وصحابة ثروة وأملاك طائلة ، ومعروفة في المنطقة بأسرها
بالأنانية والبخل ، عندها لم أتمالك نفسي من الضحك الهستيري كلما تذكرت أنني كنت
في بعض الأحيان أسدد عنها قيمة التذكرة ، وكم هو موقف جامد من السيدة المسنه التي
لم يكن يحرجها ذلك على الإطلاق ، وفى هذه اللحظة مالت المسنه تجاهي لتسألني عن مرافقتي
، فأخبرتها بأنني أقيم مع أسرتها مدة الدراسة ، فأحنت رأسها بأسف شديد وقالت بأنني أستطيع استخدام الحافلة بالمجان في
أي وقت أشاء ، ولكني أخبرتها بأنني سوف اترك البلدة بعد منتصف هذه الليلة ، استاءت
السيدة المسنه اكثر وقالت إذن تذكرني بالخير ، فأجبتها بأنني سأحاول ذلك . أقلتنا
الحافلة إلى السوق بالمجان ، وتبضعت ما أحتاج إليه ، ورجعنا إلى القرية الهادئة من
الضوضاء والضجيج ، ولم تكاد تغرب الشمس إلا وأنا داخل سيارة الأجرة التي ستقلني
إلى المطار ، وفي وداعي بعض أفراد العائلة على رأسهم السيدة الوقورة ، مرددة أن لا
أنسى مراسلتهم على الدوام ، نسيت أن أذكر أن هذه السيدة الشابة توفي زوجها قبل بضع
سنين في إحدى مناجم الفحم ، حيث كان يعمل ، والحقيقة إن المرء قد يموت لأي سبب من
الأسباب ، ولاكن الموت بالحسرة يكون اكثر عند مفارقة هذه الإنسانه صاحبة الأخلاق
السامية والصفات الحميدة والتي يغمر قلبها المحبة ، وطباعها الإحسان ، وأفعالها
الكرم والجود ، ومطالبها السلام والوئام والخير لكل الأنام ( آه من طول السفر وشدة
الغربة وقلة الزاد والعتاد وفرق الطباع والعادات ، وإلا كان بين السطور سطور).
