يستهويني كثيرا شبك التحميل الذي يوضع عادة على أسقف السيارات ، لما
له من فوائد جمة ، لاتعد ولا تحصى ، وأحد أهم هذه المميزات وأكثرها نفعاً ، هي
التلويح بموقع السيارة في المواقف العامة عندما يستعصي عليك التعرف على المكان
التي تركتها فيه ، وهي ميزة تناسب أصحاب الذاكرة الضعيفة (داء العصر) ، وليس لهذا
الشبك أي آثار جانبية تذكر ، سوى الهتاف المستمر من أبناء الحي الذي أقطن فيه للأنشودة
المعروفة ( المصريين أهم ) كلما وقعت أبصارهم على الشبك المغلوب على أمره ، رغم
ولعي بمصر والمصريين ، أما الأثر الجانبي الآخر ، فهو استغناء معظم أهل الحي عن
استئجار مركبات التحمل التقليدية ، تيمناً بوجود البديل الجاهز ، والمنصوب بأعلى
السيارة كالعلم ، وكان ممن أغراهم ذلك الشبك العالي المكانة ، زميل لي في العمل ،
وهو الشيخ عبدالله السوداني ، الذي طلب مني على حين غرًة أن أساعده في نقل جهاز
التكييف من ورشة الإصلاح إلى منزله العامر ، وقد رأيت في ذلك العمل خدمة جليلة
لزميلنا عبدالله الطيب القلب والعطر الأنفاس والكريم الأخلاق ،هذا قبل أن أعلم أنه
يقطن في الدور الثالث بإحدى البنايات العتيقة ، حيث ابتدأت المهمة من بعد دوام يوم
طويل من أيام الصيف الحار ، وكانت الشمس على اشدها ، وزيت الفريون المتساقط ينذر
بنهاية غير جميلة للحُلة الأنيقة التي أرتديها . إنتهى بنا المطاف أخيراً عند عتبة
المنزل ، عندها رفض الزميل عبدالله مشكورا بأن أُساعده على إنتشال جهاز التكييف ،
وبدلاً عن ذلك إنطلق إلى ناصية الشارع ، وراح يطيل النظر في المٌارة من سائقي
السٌيارات ، وفجأةً أشار بيده إلى أحدهم ، فخرج إليه شاب أسمر نحيل يلبس الجلباب
السوداني الفضفاض الناصع البياض ، وتعتليه عمامة عريضة مزركشة الأطرف ، ولا تبدو
عليه بحال من الأحوال ، القدرة الجسمية ولا المعنوية على المساعدة أو إنقاذ الموقف ،
ألهم إلا إذا كانت مساعدة صوتية على غرار هيلا هوب ، وبعد همس بينهما لم يدم طويلاً ، ترجًل
عن سيارته المتواضعة ، وفجأةً تحول إلى شمشون الجبار ، وحمل مع الزميل عبدالله ،
جهاز التكييف بكل أريحية وطيبة خاطر ، تحت وطأة شمس الصيف المحرقة ، وحرارة الطقس
اللاذعة ، ورطوبة السلالم الخانقة ، وبعد أن إطمأن إلي استقرار جهاز التكييف في
مكانه ، حيًانا بتحية حارة جداً وهو يتصبب عراقاً ، ثم ذهب إلى حال سبيله ، وبعد
أن زالت عني دهشت الموقف ، سألت زميلي عبدالله متعجباً ، تحت أي تردد صوتي وهاتفي خفي ،
تعمل أنت وقريبك المنجد هذا ، بحيث يكفي أن تقف على ناصية الشارع ، فيأتيك في التو
والحال (شبيك لبيك) ، فأجاب بكل هدوء الدنيا ، بأن هذا الشخص ليس قريبه ، قلت اذاً
هو صديق حميم فأجاب بالنفي ، وبأنه لم يلتقي به من قبل إطلاقا ، عند إذاٍ ، قلت له
فما هذا المشهد السينمائي المثالي الذي جعلني أحتقر كل عمل خير قمت به في حياتي ،
فقال وهو يبتسم ، مجرد فزعة سودانية.
