ولد غازي لأبوين قرويين ، وكان قد أصيب أثناء ولادته بعاهة بسيطة في
النطق والاستيعاب ، وعندما بلغ السابعة من عمره ، أدخله والده مدرسة ذوي
الاحتياجات الخاصة ، فأبلى فيها غازي بلاءً حسناً ، وعند تخرجه من المرحلة
الابتدائية ، تم تحويله إلى قسم التأهيل المهني ، لتعليمه وتدريبه على حرفة
الزراعة ، فأجاد غازي فنونها ، وأتقن علومها ، ومن ثم تخرج منها في وقت قياسي ، بحيث
قام المعهد بتكريمه ، وتقديم هديه قيمة له ، عبارة عن طقم عدة زراعة ، مطلية
بالكروم ، ومنقوش عليها اسم المعهد ، وتاريخ تخرجه . سر غازي سرواً بالغا بهذه
الهدية ، وعاد إلى قريته متسلحا بالعلم والمعرفة ، ومفعم بالحيوية والنشاط ، وأخذ
يعمل لدى أصحاب المزارع الكبيرة ، بأجر مجزي ، وأصبح يتهافت عليه أصحاب المشاتل
الزراعية ، لإستمالته للعمل لديهم ، لما عرف عنه من أمانه وإخلاص وتفاني في العمل
، إضافة إلى المعرفة الحديثة بعلوم الزراعة ، وسارت الأمور مع غازي كأفضل ما يكون
، إلى ان جاء يوم ، كدر فيه صفو حياته ، حيث قام احد المتطفلين بسرقة مسحاة الحفر التي اهديت له من المعهد ، فقامت قيامة غازي ، وتوجه إلى المخفر ، ثم إلى شيخ
القبيلة ، ثم إلى أمير القرية ، وتوعد الجميع بأنه سوف يرفع الأمر إلى وزير
الداخلية إن لم يأتوا له بالمسحاة ، مما حدا بضابط المخفر ، أن يأمر له بمسحات
جديدة ، لا تقل جوده عن المسحاة السابقة الا انها لا تحوي شعار المعهد التي تخرج منه ، فستلمها غازي بتردد ، وفي نفسه حسرة
وأسى على مسحاة المعهد التي نقش عليها اسمه وتاريخ تخرجه ، وعند خروجه من المخفر
، لاحظ الضابط ، عدم إقتناع غازي ، حيث لا تبدو عليه علامات الرضا ، عند ذلك
استدار إلى والد غازي وأسر له ، بأنه ليس من المستحسن أن يذهب غازي إلى وزارة
الداخلية من اجل مسحاة ، فطمأنه الأب بأن ذلك لن يحدث ، لأنه سوف يقوم بشد
انتباه غازي إلى معركة أخرى ، وهي معركة الخطوبة والزواج ، حيث معروض عليه الزواج
من فتاة جميلة ورشيقة ، ولكن هذه الزوجة لديها مشكلتان ، الأولى إنها مصابة بالصمم
، والثانية إنها تركية الجنسية ، وليست عربية ، ويتطلب الأمر إصدار تصريح من وزارة
الداخلية ، ابتهج ضابط المخفر لهذا الخبر ، ووعده بأن يحدد له بفسه موعدا
لمقابلة وزير الداخلية ، وطلب منه أن يعلمه بموعد الخطوبة ، حتى يتمكن من مشاركتهم
فرحة الخطوبة . وفي اليوم التالي ذهب غازي لرؤية الخطيبة ، وعند خروجه من مخدعها ،
بانت عليه علامات الرضي والسرور ، وقال لوالده بلكنته المتقطعة ، وببراءة تعلو
وجهه ، فلنذهب الآن للملك لخطبتها ، فتبسم الأب وتبين له بان العروس قد راقت له ،
وبعد أسبوع توجه الأب والابن إلى وزارة الداخلية ، لمقابلة الأمير (وزير الداخلية)
حسب الموعد الذي حدده لهم ضابط المخفر ، وعندما جاء الدور عليهم ، ضغط الأب على يد غازي منبها إياه ، بأن يكون مهذبا بين يدي الأمير
، عندها تقدم غازي للأمام ، ومد يده لمصافحة الأمير الذي أجلسه بجواره ، واستلم منه
معروض المعاملة ، وفي هذه الأثناء اختلط الأمر على غازي ، فنسي موضوع الزواج
والخطبة والتصريح ، وافتكر سرقة المسحاة ، فتحول بكلًيته إلى الأمير ، وقال بصوت
مسموع للجميع : يا طويل العمر البلد ما فيها حكومة ، عند ذلك امتعض وجه الأب ، وتصبب
جبينه عرقا على الرغم من برودة التكييف ، في حين لم يلتفت الأمير لكلام غازي على
الاطلاق ، بل تابع قراءة المعروض بتمعن وهدوء ، ثم اخذ القلم وامضى بموافقته على
التصريح ، ثم التفت إلى غازي قائلا : نحن عندنا حكومة في البلد ، ولكن أنت من
يلزمك حكومة في البيت ، وهذه الحكومة مهرها وتكاليف زوجها على حسابي الخاص ، ثم
اخرج بوكا من الدرج ، وحرر لغازي شيكا بكامل تكاليف الزواج ، ومن ثم تناول مذكرة
من أمامه ، وأمر له بطقم كامل من عدة الزراعة ، تصرف له من المعهد الذي تخرج منه ،
منقوش عليها كافة التفاصيل إضافة إلى اسمه بالكامل . عندها دمعت عين الأب ، وتقدم
نحو الأمير ، وقبَل بين عينيه وقال له : بهذا الحلم احكم الله لكم الملك ، فتبسم الأمير وقال له : وبمثل هذا الشاب نحن
نستمطر الخير.
