في فترة من الفترات ، كان يعمل لدي شاب في العشرينات من العمر ، يمتاز
بكثير من الصفات الحميدة ، التي قلما يتحلى بها كثير من أبناء جيله ، لم يتمكن من
إكمال دراسته الجامعية ، نظراً لضيق ذات اليد ، وكان يتقاضى راتباً بالكاد يغطي
احتياجاته الأساسية ، وفي ذات يوم ، أسرا إليّ برغبته في إكمال نصف دينه ، بالزواج
من امرأة صالحة ، فقلت له امرأة ممكن ، ولكن صالحة ، قد يطول الأمر ، على كل
الاحوال ، نصحته بالتريث لحين ميسرة، فإذا به يأخذ بنصف النصيحة ، ويتجه إلى إحدى
مواقع الزواج الالكتروني ، لعلّه يجد ضالته بها ، قام بدفع رسوم الاشتراك التي لا
تتجاوز العشر دولارات ، وبعد جهد يسير استجابة له إحداهن ، وحددت له إحدى
المستشفيات ، التي تتردد عليها والدتها ، لكي يرى كل منهما الأخر بطريقة غير
مباشرة ، وتمت الرؤيا ، وهاله المنظر ، فهي شابة في العشرينات من عمرها ، ممشوقة
القوام ، مملوحة الوجه ، حلوة الابتسامة .عندها أخذ يحدث نفسه في هلوسة عميقة ، هل من الممكن أن
تجلب له هذه الدولارات العشر ، هذه الحورية الإنسية ، رجع إلى المنزل ، وهو لا
يكاد يرى معالم الطريق ، واتصل بها على الفور ، وصرح لها برغبته الأكيدة للارتباط
بها ،فرحت فرحا شديدا وذكرت له بعض الشروط ، التي قد يطلبها والدها ، ثم شرحت له الطريقة المناسبة
لمقابلته ، ولم يطل الوقت ، حتى كان بحضرت والد الفتاة ، وبتفنيط بسيط للراتب الذي
يتقاضاه ، شرح له الأب ، بعدم قدرته على فتح بيت ، وإعالة أسرة ، واعتذر له بلطف ، حاول الشاب أن يشرح للأب ، إمكانية تحسّن الأوضاع
مستقبلاً، إلا إن الأب تمسك برأيه ، عندها قام فقبل رأسه بدون يأس ، ممنيا
نفسه بجولة أخرى قد يجد فيها مدخلا لقلب الأب ، وبينما هو مشغول بهذه الفكرة في طريق عودته ،
إذا بهاتف الجوال يرن ، وإذا بالفتاة تؤكد له عزمها على الزواج به ، ولو تتطلب
الأمر الهرب معه إلى آخر الدنيا ، صمت برهة ، ثم اتجه للتهدئة من روعها ، وشرح لها
بما يتحلى به من حنكة وفطنة وصبر ، بان هناك الكثير من الحلول المرضية للطرفين ،
دون ألًلجوء لهذه الوسيلة الغير مستساغة ، والتي تمس بسمعتها وسمعة عائلتها ،
فأجابته بمرارة بأن لها خمسة من الأخوات ، وهي الوسط بينهن ، وهن محبوسات داخل هذه
الجدران الخراسانية ، لا يعرفهن احد ، ولا يعرفن أحدا ، وإن صادف وتقدم شاب
لخطبتهن ، فلن يتفهم الأب الظروف الصعبة التي يعاني منها أبناء جيلنا ، فلا يزال
الآباء ، يعيشون زمان الطفرة التي ذهبت ولن تعود ، على الرغم من ذلك اصر الشاب
على موقفه ، وفوض الامر لله ، وبعد فترة وجيزة ، اندلع حريق هائل في البناية التي
تقطنها الفتاة ، فهرب السُكان لخارجها ، ومن بينهم الخمس فتيات ، الآتي لم يتمكًن ان يضعن
الحجاب على رؤوسهن لانشغالهن بإسعاف والدهن ، الذي اصيب بختناق شديد
من جراء كثافة الادخنة ووافته المنية على الفور ، وكان يشهد هذا ا لمنظر العديد من الجيران الذي هالهم تفاني الفتيات في محاولتهن انقاذ والدهن ، وهالهم اكثر وجود هؤلاء الفتيات الحسان بجوارهم دون ان يلاحظوهن . بعد هذه الحادثة ، انتقلت كفالة الفتيات الى شقيق
والدهن ، والذي كان على دراية تامة بأوضاعهن البائسه ، فقام بتزويجهن الواحدة تلو
الاخرى ، على حسابه الخاص ، وبقي يتفقد أحوالهم مع ازواجهن الى أن استقرت ، وعندما
حضرته الوفاة ، استدعى زميلي الشاب واوصاه خيرا بزوجته ، وبقية اخواتها ،وقام بجعله وصيا
عليهن بعد مماته ، فكانت هذه هي عاقبة الصبر والتريث والايمان بالله.
