كان لوالدتي رحمها الله مروحة مصنوعة من الخسف (سعف النخل) ، متعددة
الأغراض ، فهي تجلب لها الهواء في فصل الصيف ، وتقلب لها جمر البخور في فصل الشتاء
، وتقًرب بعصا المروحة ما بعد عن متناول يدها من الحاجيات ، وتتناول بها الاغراض
المرتفعة عن قامتها، وتهرش بها ما لا تطاله يدها من صفحة الظهر ، وتطرد بها
الحشرات ، ولكن من أسوء استخدامات هذه المروحة ، يتجلى عندما تغضب الوالدة ، فتضرب بها
كيفما أتفق ، خبط عشواء ، فلا يبقى شبر في الجسد إلا نال حظه من لسعاتها ، ولأن
الوالدة كانت تعتبر البنك المركزي للأمانات في الحي في ذلك الزمان ، فقد كانت
الموسرات من عجائز الحي يودعن الفائض من أموالهن لديها ، وهي ليست بالمبالغ
الكبيرة ، ولكنهن ربما وجدن في الوالدة الدقة في الحساب والأمانة في المعاملة ،
ولكونها لا تجيد القراءة والكتابة فقد كانت تضع النقود في ظروف مختلفة الألوان
للتعرف على أصحابها ، وفوق هذه الظروف ، تضع مروحتان من مراوح الخسف على شكل الصليب
المعكوف ، كالتي توضع على المفاعلات النووية ، وتعطي معنى ممنوع الاقتراب ، أو خطر
الموت، فلا أحد يجرؤ على مجرد المس ، وهذه الودائع النقدية لا توضع في خزنة من
حديد كالمتعارف عليه ، وإنما تخصص لها رف في الدولاب الوحيد في المنزل ، والذي تخزن
فيه الوالدة كل ملابس أفراد العائلة ،
وهذا الدولاب ، انخلعت أبوابه منذ أزمنه بعيده ، فاستعاضت الوالدة هذه الابواب بستائر
صنعتها بنفسها ، وكل شيء هنا من صنع يديها ، وهذا الدولاب من شدة ازدحامه ، مهيأ
للسقوط ، لولا قيام السرير بمساندته وبدعم من جدار الغرفة من الجهة الاخرى ، فلو
تطفل احد عمّار المنزل ، وسحب السرير ، لانهار الدولاب ثم تبعته جدران الغرفة ، ثم
السقف كنهاية حتمية. ومضت أعوام ، تبعتها سنون ، ودخلت المراوح الكهربائية المنازل
، ثم تبعتها أجهزة التكييف بكل أنواعها، وبقية مروحة الخسف صامدة في يد الوالدة ،
لا ترضى عنها بديلا ، وعندما اختارت الوالدة أن تكون إلى جوار ربها ، لم تترك
الكثير من الحاجيات ، إلا انني حرصت ألا تكون المروحة من نصيبي ، فلي معها ذكريات
موجعة ، واكتفيت بثوب متواضع من قمصانها ، اشتم فيه رائحة جهادها وكفاحها في زمن
شح فيه كل شيء.
