تمتلئ غرفة الانتظار بعيادة طبيب الولادة الذائع الصيت ، يظهر على
المراجعين بها علامات الهدوء والانسجام والمودة
، فهذا زوجته حامل ، وذك زوجته تحمل تباشير حمل جديد ، وذلك ينتظر أن تحمل
زوجته بعد عقم طويل ، إلا أن أحد الأزواج كان أكثر المتواجدين سعادة وابتهاج ، لاتكاد الدنيا بما رحبت أن تسع فرحته
، يملأ العيادة حركة وصخب ، يستشير هذا ،
ويستنصح ذاك ، ويستفهم من آخر ، فهذه أول حالة حمل لزوجته التي يحبها ، منذ
سنين طوال ، إنحني فجئة على زوجته برفق ، يسألها عن أجمل الاسماء المناسبة لطفلهما
البكر ، ثم يعود ويسألها إن كانت تشعر بحركة الجنين في أحشائها ، ترمقه الزوجة
الصالحة بنظراتهاالرقيقة ، وتتجاذب معه حديث العاشقين ، لم يقطعه سوى صوت الممرضة
، معلنة حلول دورهما لمقابلة الطبيب ، يمكث الزواجان داخل غرفة الطبيب فترة ليست
بالقصيرة ، وماهي إلا لحظات ، حتى يخرج الزوجان في حالة من الذهول المريعة ،
والاحباط المذهل ٣، فالأمر يتعلق بسلامة طفلهما الذي لم يتجاز شهوره الأولى ،
وإحتمال إصابته بفيروس خبيث يحمله الأب ، قد يتسبب في تشوهات خلقية له ، وإحتمالات
كبيرة لخروجه الى هذه الدنيا معاقا أو مشوها ، إرتاع الاب على مصير صغيرة المجهول
، وإنهارت الأم لوقع الخبر ، فقد نصح الطبيب بظرورة إجهاض الحمل ، وإخراج الجنين ،
ذعرت اللأم ، واكتنفتها مشاعر الأمومة
الجياشة ، والتي حرمت منها سنين طوال ، فتشبثت في بقاء جنينها ، وتحطمت كل السبل في
ثنيها عن التخلي عنه ، إستشاط الزوج عضبا لعنادها ، وعدم تفهمها لخطورة الوضع ،
وخيرها بين استمرار زواجهما أو إجهاض الجنين ، فلم يزد الأم إلا اصرارا وصلابة على
بقاء الجنين ، ولو كلفها ذلك حياتها هي شخصيا ، يحذوها الأمل في الله ، ويقويها الايمان
به ، ويدعنها احساسها العميق بأن الله لن يتخلا عنها ، وسيكلؤها وجنينها برحمته وعطفه
ورعايته ، لم ينتظرالزوج كثيرا بعد فراق زوجته حتى اقترن بإمرأة أخرى ، وماهي الا
شهور قلائل حتى وضعت الزوجة الأولى مولودا يانعا ينبض حيوية وصحة وبهاء ، وينضح قوة
ونشاطا ، أقرً به الله عين والدته البائسة ، وماهي ألا شهور أخرى سريعة ، حتى وضعت
الزوجة الجديدة طفلا عليلا ، لم تكتب له
الحياة إلا أسابيع معدودة ، ولم تمهل الأقدار الأب طويلا ، حتى عاجلته المنية في حادث مروع ، راح ضحيتها
في الحال ، وانقطع أمله من الدنيا ، ولم
يتبقى له فيها ، إلا فضل الله عليه في بقاء نسل له يحمل اسمه وسببه ، ويدعو له
بالرحمة والمغفرة.
(والله غالب على أمره ولكن اكثر الناس لا يعلمون).
