في بهو الفندق العتيق ، يستلقي أحد النزلاء بجسمه الضخم ، مكتنز الشحم واللحم ، أكرد الشعر اسمر
اللون ، يسحب أنفاسه بصعوبة بالغة ، بالكاد يستطيع الحركة والالتفات ، في حين يدور
حوار بين مدير الفندق وأحد العاملين ، عن هوية ذلك الشخص ذي الملامح المريبة ، فلا يصلان
إلى نتيجة،سوى انه عابر سبيل غريب عن المنطقة ، وينوي العمل لطلب الرزق ، وأنه لا
يملك من المال ما يغطي نفقات بقائه في الفندق سوى بضعة أيام ليس إلا ، عندها يمتعض
مدير الفندق ، وينتقل على الفور إلى المقعد المجاور للشخص الغريب ، ويبدء معه في
نقاش ودي ، والبحث عن إمكانية مساعدته بطريقة ما ، يتحامل النزيل على نفسه ويعتدل في
جلسته و يسحب نفسا عميقا يدل على تعب شديد ومعاناة أشد ، ثم يبادر بالكلام عن قصته
المريرة في بلده ومع أهلة وذويه الذين
يعتنقون الديانة المسيحية ، وكيفية تكالبهم عليه بعد اعتناقه الدين الإسلامي ، ومن
ثم قيامهم بالبراءة منه ، وحرمانه من الإرث الشرعي له ، بل والاعتداء عليه ، ومحاولتهم
قتله ، لولا أن تداركته يد العناية الإلهية وبعثت له من يساعده على الارتحال إلى
بلاد الحرمين الشريفين التي بارك الله فيها ، والمدعو لها من أبو الأنبياء بالخير
الوفير ، عندها رقً مسؤول الفندق لحاله وأخرج له شيء من المال كمساعده له ، وعرض
عليه البقاء في الفندق إلي أن يجد له مخرجا مما يعانيه من ضيق نفسي ومعنوي ومادي ،
فهذا أخ كريم نزل في ضيافة بلد كريم ، فارا بدينه وعقيدته ، مؤثرا إيها على دفئ
الوطن وعطف الاهل ومنعت المال والولد ، ولم يتردد مسؤول الفندق من إشراك أحد
التجار المحسنين ، والذي صادف وجوده بالفندق في تلك الفترة ، في انتشاله من هذه
المحنه ، والذي بادر على الفور في إيجاد عمل مناسب له في إحدى منشآته التجارية ،
حيث ظهر عليه فيما بعد إلماما جيدا بالأمور التجارية والمالية ، وإخلاصا وتفانيا
منقطع النظير ، وجد واجتهاد في العمل ، لا يضاهيه فيه قرين ، إلى الدرجة التي جعلت
مالك العمل يجعل زمام العمل كله بيده ، بل وأعلن خطوبته على إحدى قريباته ، وتم
تحديد موعد للزواج ، إلا أن التاجر الطيب القلب وصاحب النية الطيبة ، أراد أن
يشركه في صفقة تجارية جيده ، ويجعلها هدية زواج له ، تساعده على القيام بالتزاماته
الزوجية ، فأرسله إلى إحدى الدول المجاورة ، مصحوبا بمبلغ الصفقة ، وبرفقته أحد
أبنائه لإكسابه الخبره والمعرفة ، وما هي إلا أيام معدودات ، حتى عاد الابن وحيدا
، حيث ألم به فجأة مرض شديد ، أعجزه عن مواصلة الرحلة ، تاركاً أمر الصفقة للعامل
الأمين ، وتمر الأيام وتمر الشهور وتمر الأعوام ولم يعد العامل الأمين ، تلاشى خلف
بريق المال وستار الدين.
