recent
أخبار ساخنة

أحلام الظهيرة



منذ المراحل الأولى لسنين دراستي التعليمية ، تصاحبني عادة مقيتة ، وهي عادة التشبث بكرًاسة الإجابة أثناء أداء الامتحانات النهائية وحتى اللحظات الأخيرة ، لا أتخلى عنها إلا بعد منازعات ومماطلات مضنية مع المراقبين ، وتوسلات وتطمينات مكثفة من الاساتذه والمشرفين جزاهم الله عنًا كل خير الجزاء ، وإستمرت هذه العادة حتى مقاعد الدراسة الجامعية ، وحتى جاء اليوم الذي كان فيه الجزاء من جنس العمل ، فالقاعة التي سأقدم فيها الامتحانات ستقام في مبني جديد نائي عن بقية المباني الجامعية ، ويبعد عن محاطات النقل العام ببضعة كيلو مترات ، والشمس هناك في شدة التوهج ، وكالعادة تم إنتزاع كراسة الإجابة من إنتزاعاً بنهاية الوقت المحدد للامتحان ، وإختفى بعدها جمهور الطلاب والمراقبين كالأشباح وسط الجو المكفهر حمرة وحرارة ، وإنتهى بي الحال على قارعة الاسفلت ، أتحيٌن فرصة ضئيلة لمرور أحد المتطوعين ، حيث لا يصادف ذلك الوقت دخول وخروج السيارات داخل الحرم الجامعي ، وبعد معانات شديدة من السير على الأقدام في ذلك الطقس القاريٍ ، لاحت في الأفق سيارة أجرة بلونها الأصفر الفاقع ، والتي تم إلغاء العمل بها من سنين طويلة ، وهي تحث السير بإتجاهي حثواً ، كمن صدرت له الأوامر بالنجدة ، وعندما أشرت له بالتوقف ، قذفت بأوراقي المبعثرة على المقعد الخلفي وأرتميت على المقعد الأمامي أتنفس الصعداء بعد أن تحققت هذه المعجزة الإلهية ، وذهب عن بالى أن أحيِي سائق الأجرة الوقور الذي يجلس خلف عجلة القيادة بلحيته الناصعة البياض وقسمات وجهه المضيئة ، فبادرني هو بالتحية وقال معاتباً ، هل نسي الناس تحية الإسلام ، فأعتذرت له متعللاً بشدة التعب والإرهاق الذي أصابني  ، ثم أومأت له بالجهه التى أرغب الذهاب اليها ، وبعد أن إستقر بي الحال داخل الهواء البارد للسيارة ، كان لابد أن أجد تفسيراً من هذا الشيخ المسن ، عن سبب قيامه بالعمل في مثل هذا الوقت المتأخر من الظهيرة ، وفي مكان وزمان يندر تواجد الركٌاب فيه ، والأغرب من ذلك قيادته لهذا النوع من سيارات الأجرة التى أنعدم موديلها منذ عشرات السنين وعلى الرغم من ذلك فهي تضاهي أحدث الموديلات أناقة وفخامة ، وكأنك بداخل مركبة فضائية او مقصورة القيادة بإحدى الطائرات المتطورة ، لكثر الازارير والفلشرات والإضاءات الملونه ، وعندما لاحظ سائق الأجرة ذلك الإنبهار ، قال وهو ينطلق بسرعة فائقة ، هذا النوع من السيارات تم استيرادها من القديم خصيصاً لخدمات ركاب الأجرة وتشتمل على مميزات تُسهٍل لها هذه المهمة ، ومن هذه المميزات إمكانية فتح الأبواب الخلفية للركاب بإزرار تحكم من الأمام ، كما يمكن إغلاقها بعكس إتجاه الإزرار ، ولكوني من محبي النكت والطرف فقد إعتبرت كلامه نوع من أنواع الدعابة والتسلية ، حيث لا يبدوعلى الرجل علامات الخرف ، وعندما بدأنا في صعود إحدى الجسور الخرسانية الضخمة ، وذلك بسرعة متزايدة قال بكل ثقة واعتداد بالنفس ، يبدو لي انك غير مقتنع بما أقول ، وعلى التو مد يده خلف عجلة القيادة ومن ثم أنفتحت على أثرها الأبواب الخلفية وشكل الهواء المندفع داخل السيارة زوبعة شديدة مما جعل الأوراق تتطاير في كل اتجاه ، عندها رجوته أن يعيد قفل الأبواب ، وبحركة أخرى منه تم قفلها بسرعة فائقة . إنتهى المشوار بسلام ، بعد أن قام الرجل بوداعي وداعاً حاراً ، وأخذت فيما بعد ، أحدٍث أصدقائي وأخلائي عن هذه الرحلة الغريبة ، فاكتفى بعضهم بالصمت المطبق ، وهمس البعض الأخر في أذني بأن أعتني أكثر بفترات الراحة والاستجمام ، ونصحني أحدهم بعدم الإكثار من الدسم والبقوليات في وجبات العشاء ، كما وصف لي آخر استعمال نوع من أنواع الزيوت كدهان ذو فائدة عظيمة للرأس عند النوم لدفع الأوهام والخيالات ، وكذلك شرب ملعقة كبيرة منه ، يساعد على طرد الغازات والإنتفاخات ، لأنها سبب كثير من المشاكل ، ولكوني عايشت تلك القصة بكل تفاصيلها ، فقد كنت متيقن من كل دقائقها ، ولكن من كان يقود تلك السيارة الغريبة الاطوار ... الله أعلم

google-playkhamsatmostaqltradentX