في القليل النادر جداً ، أن يعيش رجل على ذكرى زوجته الراحلة ولا
يتزوج بأخرى مضحياً بالاستقرار والسكينة المرتبطة بذلك ، ويكمن السر في أغلب الأحيان إلى إنفراد هذه الزوجة
بمزايا يصعب توفرها في كثير من النساء، وكذلك صمودها معه في أحلك الأوقات وأصعب
الظروف ، فيما لم تمهلها المنيٌة لتحصد معه أجمل الأيام وأسعدها ، فيجد في قرارة
نفسه أنه ليس من العدل أن تزرع هي وتحصد غيرها ، وتلعق هي العلقم وتلعق غيرها
الشهد ، فيظل على ذكراها السنين الباقية من عمره ، محتملاً مرارة الوحدة ووحشة
العزلة وفاءً وعرفاناً لها . جارنا العم حسن ، كان أحد ضحايا هذه الزيجات ، رحلت
عنه الزوجة الصالحة مبكراً ، وتفرق عنه الأهل والأحباب ، وبقي وحيداً داخل أطلال
منزله الواسع العتيق ، يسترجع الذكريات الجملية العطرة ، ويستشعر الأيام الوارفة
الندية ، وعلى الرغم من تجاوزه الستين من عمره ، إلا انه ظل محتفظاً بصحة جيده
وهندام رائع وعقلية مرتبة ودعابة حاضرة ونكته لاذعة . صادف أن سألته ذات مرة عن
أسطوانات خرسانية مسلحة مرصوصة أمام حائط منزله لطالما أثارت فضولي ، فأجاب بمرارة ، يا إبني القصة
وما فيها إن الحجرة التي أنام فيها تقبع خلف هذا الحائط مباشرةً ، وجارنا العزيز
الشيخ عبدالكريم الذي يقطن قبالتي ، له جذور ضاربة في بلاد الصعيد ، أضف إلى ذلك
إنه لا يعترف بأنه جاوز السبعين من عمره المديد ، وكما تعلم فهو من هواة ركوب
سيارات الجيب القديمة والمتينة ، ومكمن خوفي المنطقي في الأمر ، أن يكبًر الًلفة
في يوم من الأيام ، فأجد نفسي والسرير الذي أنام عليه تحت الشاصيه . ولم يحدث ما
كان يتوقع العم حسن ، وعاش سنين طويلة من عمره في هدوء وسلام ، وعند وفاته لم يكن
هناك جمع غفير من الناس ، ولم يخطر في بال أحد منهم ، أنهم كانوا يدفنون معه قصة
حب كبيرة ، كان يعتقد في قرارت نفسه أنها لا تعني أحداً سواه.
