أصبح موظف القطاع العام عملة صعبة لدى شركات وموسسات التقسيط ، فلا
تكاد تخلو استمارات التقسيط من كفالة موظف حكومي ، وكمحصلة للتسهيلات التي تقدمها
شركات التقسيط ، فوجئت بأحد الزملاء يضع بين يدي استمارة كفالة لشراء سيارة
بالتقسيط ، وكخطوة أولى لسرعة إنهاء الإجراءات ، أقترح علي أن يكون الشراء من
الوكيل المعتمد للشركة الأم بمركز القرية التي ينتمي إليها ، حيث المعرفة
والصحوبية ، وكمن ضمن موافقتي على الكفالة ، نصحني باصطحاب معطف ثقيل ، حيث أن
البرد شديد وقارس في تلك القرية، وعلى الرغم من برودة الطقس وظلام الليل ، فقد
استطاع أن يستدل ببراعة فائقة على موقع الوكالة من بين مفارق الطرق الجبلية الوعرة
، حيث كان في استقبالنا صاحب الوكالة ، متلحفاً جلبابا أخضر غامق على طريقة عمًال
المشرحة ، وبعد الانتهاء من مراسم الشاي والقهوة ، أخذ يتفحص مستندات الكفالة بدقة ،
ثم أعلن بعدها عن عدم أهليتي للكفالة ، بحكم أنني لست من سكان تلك القرية ، وكانت
الصدمة عنيفة على زميلي الهمام ، فأخذ يرعد ويزبد ويزمجر ويلتفت يمنه ويسرة ،
يتخللها استجداء ملح للبائع ، عسى أن يجد له مخرجاً لهذه المعضلة، ولكن دون جدوى ،
وفجاءة خطرة له فكرة تحويل الكفالة إلى جار له بالقرية ، يعمل ساعيا بإحدى المصحات
الحكومية ، ويدين لزميلنا بمعروف وجميل سابق ، وأهل القرى كما هو معروف عنهم ،
أكثر حفاظاً على المعروف والجميل من غيرهم ، تطوع الجار الوفي لهذه المهمة ، وخرج
بصحبتنا تحت ستار الليل الشاتي ، تاركا دفئ المنزل والزوجه والأولاد وهو يرتعد تحت
دثاره السميك ، وعند جزار الوكالة بدأت عملية توثيق أوراق الكفالة ، ولكن الجار
الوفي أمي لا يقرأ ولا يكتب ، مما أضطره أن يستعيض عن التوقيع ببصمة الإبهام
الأيسر والمتأثرة بجرح غائر في اللحم، ولكثرة مستندات المعاملة إنفتق الجرح واختلط الحبر
بالدم السائل، وأصر البائع أن يتم استكمال عملية التوثيق بإبهام اليد اليسرى نفسها
، كمطلب قانوني ، وأصر الدم المسفوح إلا أن يكون شريك للحبر في رسم البصمات كمؤشر
شؤم لوضع مأساوي مؤلم ، وعند انتهاء إجراءات الكفالة ، ودع الجار زميلنا بكلمات لطيفة
أوصاه فيها بالمحافظة على سداد الأقساط بانتظام ، حيث أن راتبه الشهري بالكاد يطعم
الأفواه الكثير التي يعولها ، لم يستفد زميلنا من استخدام السيارة ، وانما استفاد
من السيولة النقدية لعملية بيعها في نفس اللحظة التي تم فيها الشراء ، وذلك لتغطية
تكاليف عقد قرانه ، بالإضافة الى قيامه بمشروع تجاري فاشل ، لم يتم التخطيط له
بدقة ، وأستغني بهذا المشروع عن الوظيفة الرسمية ، ودخل بعدها في دوامة الديون ،
ونفق المصاريف العائلية الباهظة ، تاركا في الجهة الأخرى الجار الطيب الوفي يعاني
مرارة تسديد الأقساط الشهرية ، ويدفع الثمن غاليا من قوته وقوت عيالة.
