يحرص بعض الآباء ، بشغل أوقات فراغ أبنائهم أثناء العطلة الصيفية ،
بما يفيدهم ، وينمي مداركهم ويضاعف من إحساسهم بالمسؤولية ، وبقيمة الوقت والجهد
والعمل ، وذلك بإشراكهم في بعض الأعمال البسيطة التي تتلاءم مع إمكانياتهم
ومستوياتهم ، وقد أختار لي والدي رحمه الله في تلك الفترة ، العمل لدى إحدى
الشركات اليابانية المتعهدة بإنشاء محطات تحلية مياه البحر ، وقد تقدم للعمل معي
فتيان آخران ، لم يرق لهما العمل فيما بعد تحت وطأة حرارة الشمس المحرقة ، وكنت أخطط
للانسحاب معهم ، ولكن والدي كان لي بالمرصاد ، وكان أكثر ما لفت إنتباهي هناك ،
طاقم العمل الياباني ، الذي يعمل بنظام خلية النحل ، فلم استطع طيلة أيام عملي
لديهم ، في تمييز الرئيس المسئول من المرؤوسين إلا عندما انسل من بينهم في آخر يوم
عمل لي معهم ، وذلك لتسليمي هدية تذكارية بهذه المناسبة ، كما وان الأمر الأكثر
إبهارا بالنسبة لي كان هذا الإنجاز التقني العملاق ، الذي استطع أن يضخ الماء
العذب القراح في عروق الصحراء القاحلة بالجزيرة العربية ، والتي عانت القحط
والجفاف لملايين السنين ، والشيء الأغرب ، أن التعريف بهذا التقنية الجبارة لا يدرج
من ضمن الرحلات التعليمية التي تنظمها عادة المدارس والمعاهد والجامعات ، وذلك
للتوعية بأهمية هذا المشروع الضخم ، وتعميق الإحساس بالمسؤولية لديهم تجاه
المحافظة على هذا المنتج النفيس ، وقد كانت تغمرني سعادة غريبة كلما توقف ضخ الماء لأي
سبب من الأسباب عن الحي الذي أقطن فيه ، وهو من الأمور التي نادرا ما تحدث ، ربما
يرجع هذا لإحساسي العميق لعدم إعطاء العامة من الناس الأهمية المطلوبة لهذا العنصر
الحساس في حياتنا ، في ظل الوفرة الغزيرة التي تؤمنها الدولة منه بتكلفة باهظة
عليها مقابل رسوم ضئيلة تتقاضاها منهم ، فيكون هذا التوقف للضخ دافع لهم للمزيد من
الحرص على هذا المرفق الهام، وربما يكون مرجع هذا الإحساس لكوني محطات في المنزل بخزٌان كبير للماء ،
مصنوع من الفايبر جلاس المتين ، الذي لا تأتيه الحشرات من بين يديه ولا من خلفه ،
والمطلي بلون أمواج البحر الزرقاء الداكنة ، والمُحلًى بمحبس من الكروم الفضي البرًاق
، أو ربما كان هذا الإحساس نكايةً في جارنا أبو العبد ، الذي لا يسمع النصيحة
مطلقاً ، وكلًما تقع عينيه على ذلك الخزان الذي طالما تغزلت به ، يصرخ بأعلى صوته
الأجش (ولك شو بدك بها السد العالي ) ويتجاهل كونه هو شخصياً سبب رئيسي في نفاذ
كمية الماء من الخٌزان الرئيسي للبناية ، وذلك لعدم اقتناعه ببرامج تحديد النسل ،
ولا بالندوات والإعلانات التلفزيونية التي تطالب بتقنينه ، بل هو لا يشاهد
التلفازأصلاً ، فهو من عشٌاق النوم المبكر ، ومن هنا تبدأ المشكلة.
