أُوكلت إلى في يوم من الأيام ، إدارة صغيرة بإحدى
المنشآت ، وعلى نهج الغربال أبو شدة ، فقد أخذت أذرع الإدارة طولاً وعرضاً ،
شمالاً ويميناً ، أتلمس المعوقات ،وأملأ الفراغات ، وأرتب الأولويات ، إلى أن وصلت
إلى غرفة المستودعات ، فلفت نظري جهاز ضخم ، تعلوه الأتربة وخيوط العنكبوت ،
وبالكاد تبين لي أنها آلة لتصوير الخرائط ، تقبع كالمارد الأزرق في قاع المستودع ،
وبسؤال قدامى الموظفين عن ماهيًتها ، أجاب أمثلهم طريقة : بأنها تخص شركة هندسية ،
كانت تعمل لحساب المنشأة منذ سنين طوال ، وعند انتهاء عملها ، لم ترى جدوى من
إصطحابها ، ورغبةً مني في إستغلال المساحة التي تشغلها الماكينة ، فقد تم عمل
إجراءات إرجاعها إلى المستودع العام ، لتكهينها لديهم ، ولكن المستودع رفض
إستلامها ، إلا بعد التأشير عليها من قسم الصيانة ، بعدم صلاحيتها ، والتي بدورها لم
تتردد في إرسال فنييها المتخصصين ، ويوما بعد يوم ، وعند إطلالة كل صباح جديد ،
كنت ألاحظ وجود فني غير الذي كان يعمل بالأمس ، وفي بعض الأحيان كانت تأتي مجموعة
كاملة ، تعاين وتتفحص ، ويدور بينهم نقاش حاد لم أستطع فك طلاسمه ، ثم تذهب ، وتأتي
أخرى في اليوم التالي ، وهكذا إلى أن ضقت ذرعا بالأمر ، وهاتفت مسؤول الصيانة ،
الذي وعدني بإرسال كبير الفنيين لحسم الأمر ، وإعداد التقرير المطلوب ، وما هي إلا
ساعات حتى مثل أمامي شخص ، قصير القامة ، عظيم البطن ، رسم الشيب إكليلاً مستديراً
حول رأسه ، بينما أخفى جفنه العلوي معظم سواد عينيه ، فلا ترى إلا بياضا ، كما
وتشتعل أسنانه حمرةً قانية ، ولم ألاحظ وجوده بالمكتب ، إلا بعد مرور وقت ليس
بالقصير ، وعندما تأكدت انه من بني البشر ، وليس من سكًان إحدى الكواكب المجاورة
لنا ، أرسلت معه من يرشده إلي مكان الآلة ، فطلب في بداية الأمر إخراجها من غرفة
المستودع ، ووضعها في بهو الإدارة ، وعندما سألته عن السبب ، أجاب : بأنه من النوع
الذي يندمج في العمل ، وبالتالي يخشى أن تقفل عليه درف المستودع وهو بالداخل،
فلا يأتي أحداً منه بخبر ، بالإضافة إلى انه ينوي الاستعانة بعمًال النظافة ،
لإزالة ما علق بها من أتربه وترسبات ، فهذه أول خطوة لإستكشاف العطب ، ومضى الرجل
في عمله بجد وإجتهاد ملحوظ ، ومضيت أنا أتدبر أمور الإدارة ، وكنت من حين لآخر ،
وعندما يعتريني الفضول تجاه هذه الآلة العجيبة ، تأخذني قدماي إليها ، ويشدني أكثر
إخلاص فني الصيانة الفضائي ، الذي تارة أراه اسفل المكينة ، وتارة أخرى أعلاها ،
وفي كثير من الأحيان بداخل تجويفها الضخم ، غير عابئ بالمخاطر الناتجة عن ذلك ،
يتفقد التوصيلات بداخلها ، ويتتبغ التقسيمات ، دون كلل أو ملل ، مما دفعني إلى
تزويده بالشاي والمرطبات ، وقد تتطور الخدمة إلي السندويشات في بعض الأحيان ، ولعل
اكثر ما كان يشد إنتباهي إليه ، محاكاته للآلة الصماء ، لساعات طوال ، يرمقها بنظرات
إستجداء وإستعطاف ، ويناجيها مناجاة العاشق الولهان ، وينشدها أعذب الألحان ، فإذا
غمزت له الفكرة ، إنساب في أحضانها إلى الأذقان ، فلا يظهر منه إلا قوائم السيقان
، مما يضطرني للإستعانة ببعض العاملين لسحبة إلى الخارج ، خشية عليه من الصدمات
الكهربائية ، إلا انه كان يبدي إستيائه الشديد لذلك ، مشيرا على أن لا أقطع عليه
حبل أفكاره ، وفي إحدى المرًات ، إنتابني الفزع الشديد ، حين وجدت سترته وعدًته
وحذائه الموغل في القدم ، عند درفة الماكينة ، ولا أثر له حولها ، فأخذت أستغيث
بالحاضرين ، لنجدته ، خشية أن يكون قد هلك بداخل الآلة ، ولكنه ظهر بعد برهة ، من
إحدى دورات المياه ، وقد بدت عليه علامات الإنتعاش والإرتياح ، وهو يبتسم إبتسامته
الوردية . وعندما إقترب مني قليلا ، أخذت أتمعن بطاقة العمل التي تعلو سترته ،
لعليٌ أجد فيها ، ما يبدد شكوكي ، بأن الشخص الماثل أمامي ، هو أحد فني الصيانة ،
وليس مهراجَ من بلاد الهند ، بينما أخذ هو يطمئنني ، بحدوث إنفراج وشيك للمشكلة
القائمة ، وبالفعل لم تمضي سويعات قليلة ، حتى مزٌق سكون الإدارة ، صوت الآلة
المكبوت لسنوات طوال ، والذي نزل على أسماع الموظفين كصوت الصاعقة ، فهرع الجميع
إلى مصدر الصوت ، حيث كان فنٌي الصيانة يقف بكل تواضع ، إلى جوار الآلة ، يضع
الٌلمسات الأخيرة عليها ، في حين كانت تغمرني سعادة مشوبة بالأسى ، حيث لن نستطيع
إستخدام هذه الآلة لفترة طويلة ، لعد توفر قطع الغيار الٌلازمة لها في الأسواق ،
وعندما أحس الفني القدير بالمشكلة ، أشار علي ببقائها ، وإستخدامها ، فهي لن تتعطل
على المدى القريب ، مستندا على المثل الشائع لديهم في الهند ، بأن الزوجة الثٌرية
الطاعنة في السن ، لا تموت مبكراً ، وعلى الرغم من إقتناعي التام ، بأن الزوجات
أصلا لايمتن بسهولة بغض النظر عن الجانب المادي أو الجمالي ، وإنما الذين يموتون
في الأغلب الأعم ، كمداً وحسرةً ، هم الأزواج التعساء ، متأثرين بجراح مصاريف الإجازات
المدرسية ، وفواتير الخدمات ، وأقساط السًيارات ، وطلبات المعلٌمات ، وسلبية
الأبناء ، وتفوق البنات ، بينما تتفرغ الزوجات في المقابل لمهمة إستقبال الأحفاد
وأبناء الأحفاد . إنتهت مهمًة فني الصيانة القدير ، وكان لزاماً علي أن أرافقه إلى
مقصورة سيارته ، إجلالاً وإكباراً له ، لما أبداه من إخلاص في العمل ، وتفاني في
أداء المهمة الموكلة إليه ، ولم يبقى علي آن ذاك ، سوى أن أتمعن في هذه المركبة
الغريبة التي يستقلها ، وهل هي سيارة رش ، أم قلاب ، أم أنها من فصيلة الأوناش ،
إلا انه إعتاد على تشتيت أفكاري بإبتسامته الوردية ، مستغلاً ضعفي أمام هذا اللون
من الإبتسامات ، حتى توارى عن الأنظار.
